منتدى اللمة العربية

منتدى اللمة العربية

منتدى الوحدة والاخوة العربية تعرف على العرب من قلوبهم
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
تصويت

شاطر | 
 

 رواية الشاهد لجوش ماكدويل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
اميرة الضلام
عضو نشيط
عضو نشيط
avatar

عدد المساهمات : 196
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 19/06/2010
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رواية الشاهد لجوش ماكدويل   الأربعاء أغسطس 25, 2010 12:17 am

الفصل الاول


قتلوا ابنته وخطفوا زوجته وجاء دوره وأصبح يخشى على حياته. أخذ يذرع الحجرة الواسعة والقلق والخوف يسيطران على كل حركة منه. وسط السكون خرج صوته مرتعشاً:
"أمامنا يومان – يومان فقط."
لم يمر رفيق رمزي في حياته كلها بأزمة مثل هذه تجعله يعاني ما يعانيه من ألم وحيرة. كان صلباً قوياً يتحدّى كل الصعاب، ويتغلّب على كل العقبات، ويحطّم كل من يقف في وجهه. لكنه اليوم كان ضعيفاً عاجزاً منكسراً وهو يدور بخطوات قصيرة في القاعة الكبيرة التي تتوسّط المبنى الفخم المطل على شاطئ مونت كارلو. كان يدخّن بشراهة ويشعل السيجارة من الأخرى دون توقّف. امتلأ المكان بدخان أبيض غلّف القاعة بسحابة ثقيلة تضعف الرؤية وتكتم الأنفاس. في صراعه مع الموقف بدا وكأنه يفضّل الموت بسرطان الرئة عن أن يُغتال برصاصة غادرة. التفت إلى ضيفه وقال في صوت مرتعش:
"تلقّيت اليوم رسالة قبل وصولك، تهدّدني بأنه إن لم أبرق لهم بمزيد من المال قبل يوم الجمعة القادم، فسوف يقتلون كلوديت ثم يتفرّغون لمطاردتي وقتلي بعد ذلك. أرجوك يا مستر عقّاد. أتوسّل إليك. قل لي أن لديك أخباراً جيدة. لم أعد قادراً على الاحتمال."
بصوت جامد ولهجة هادئة سأل مروان عقّاد:
"كم يطلبون هذه المرة؟"
"خمسة وعشرون مليون يورو فوق الأحد عشر مليوناً التي دفعتها قبل ذلك."
مبلغ كبير جداً مقابل حياة إنسان واحد، لكن رفيق رمزي برغم سنوات عمره التاسعة والسبعين ليس إنساناً عادياً، فقد باع منذ ستة أشهر شركته الكبيرة "النيل للاستثمار والتجارة" التي أسّسها مع شقيقه الراحل شريف عام 1963 إلى شركة فرنسية مختلطة بمبلغ 563 مليون يورو. بذلك أصبح أغنى رجل في مصر وانضمّ إلى الصفوة من رجال الأعمال الكبار في الشرق الأوسط والعالم العربي، يعيش حياة أسطورية من الرفاهية والترف.
كان مروان عقّاد يجلس أمامه على أريكة طويلة أنيقة من الجلد الإيطالي الثمين وهو يفكّر في الفرصة التي بين يديه. رفيق رمزي بالنسبة له من أفضل عملائه وأكثرهم إثارة لطموحاته. عجوز ثري يواجه خطراً يهدّد حياته وسلامته يفزعه ويرعبه. لمثل هؤلاء أنشأ مروان عقّاد شركته لتأمين حياة الأغنياء الذين يعيشون في خوف دائم من المغامرين الذين يهدّدونهم. إلا أن هذه القضية بالذات لها مذاق كريه. جشع وفساد وابتزاز وقتل. كل مكان بحث فيه، وكل ركن خفي نظر داخله، وجد نفسه وجهاً لوجه مع أبشع أنواع البشر وأسوأهم خلقاً وأشدّهم إجراماً وأكثرهم توحّشاً. رفع وجهه إلى الرجل المسنّ الخائف المرتعب واحتار كيف يساعده وليس لديه أخباراً مطمئنة يتمنّى أن يسمعها. لا يعرف ماذا يقول له مما يخفّف من المأساة التي حرمته من أعزّ امرأتين في حياته أحبّهما أكثر من كل كنوز العالم، ابنته وزوجته!
انتهى مروان من ارتشاف القهوة الفرنسية ذات النكهة المحبّبة إليه، ثم حوّل بصره إلى النافذة البانورامية التي تكشف الشاطئ ومياه البحر الأبيض المتلألئة تحت انعكاسات الشمس الغاربة. ذكّره المشهد والبحر بمكان آخر يملأ عقله وقلبه. بيروت موطنه، وشاطئ الروشة، ومياه البحر الأبيض وأمواجه تتسابق وتدور حول الصخور. تذكّر والديه، وتساءل عمّا كان يمكن أن يظنوا في الحياة التي يحياها الآن، وهو يتنقّل بين البلاد والقارات... يعيش دائماً في الشعور بالخطر، ويحمي نفسه بالملابس الواقية من طعنات الخناجر وطلقات الرصاص. دائم السفر... دائم الهروب... دائم الاختفاء. لكن برغم ذلك كله فما يقوم به من عمل يدرّ عليه أموالاً لم يكن يحلم هو ولا والديه بأنه في إمكانه أن يحصل عليها. هو راضٍ عما يعمل ومقتنع به جداً. عمله مشروع ومُعترَف به من كل الجهات. تحتاجه الحكومات والأفراد خاصة أصحاب النفوذ والثروات. هو يحمي ويدافع عمّن يحتاجون إلى الحماية والدفاع. يحرس الأغنياء والحكّام من اللصوص الطامعين في ثرواتهم المهدّدين لسلامتهم الذين يحومون دائماً حولهم.
قاده تفكيره إلى أمه البسيطة الطيبة التي كانت دائماً تتمنّى أن يترك بيروت بعد أن أنهى خدمته في الجيش ويذهب إلى باريس ليواصل تعليمه بها ويصبح طبيباً أو مهندساً أو محامياً، وهناك يتّصل برانيا ويتزوّجها ويستقرّ معها في بيت هادئ آمن وينجب أبناءً وبنات يحقّقون أحلامها وتطلعاتها. كم توسّلت إليه أن يفعل ذلك ويريح قلبها ويستريح؟ علت شفتيه ابتسامة. يستريح؟ كيف؟ وهو يطارد القتلة وتجّار المخدّرات ويدافع عن الباحثين عن السلام والأمان.. يستريح؟ كيف؟ وهو يساعد عملائه في الدخول والخروج من بغداد والموصل والفلوجة. يستريح؟ كيف؟ هل يطمع الميت في النوم؟! جال ذلك كله في خاطره لحظة تحوّل بعدها إلى رفيق رمزي.
"عندي أخبار جديدة لكنها لا هي جيدة ولا سارة."
انتفض الرجل واندفع يسأله:
"ماذا؟ عن كلوديت؟ هل مسّوها بضرر؟ لو فعلوا ذلك أقتلهم. هؤلاء الحيوانات. أقسم لك يا عقّاد أطاردهم وأفتك بهم."
هزّ مروان رأسه نفياً وأوضح قائلاً:
"الأخبار عن كلوديت، لكن ليس كما تظنّ. أرجوك. اجلس."
"أخبرني بما تعرفه. بكل ما تعرفه. أخبرني."
"سوف أخبرك بكل ما عندي. اجلس أرجوك حتى أستطيع أن أحدّثك بكل شيء."
كان يقف بصعوبة وجسده البدين يهتزّ بشدّة. خلال الأسبوعين الماضيين تدهورت صحته بشكل ملحوظ. يتنفّس بجهد وصعوبة، شهيقه وزفيره حشرجة محتضر. عيناه يغطيهما لون أحمر ويملؤهما سائل أصفر يعكس مظاهر القلق والتوتّر. ألقى بنفسه على مقعد كبير وأشعل سيجارة جديدة بعصبية ظاهرة. ما أن جلس حتى مال نحو مروان يقول بصوت متوسّل والكلمات تتعثّر في أنفاسه الثقيلة:
"مسيو عقّاد. أرجوك لا تتلاعب بي."
هزّ مروان رأسه مؤكداً صدقه وسأله:
"قل لي يا مسيو رمزي، ماذا تعني ساو پاولو بالنسبة لك؟"
بدا الارتباك على رفيق رمزي وهو يجيب:
"تقصد مدينة ساو پاولو التي في البرازيل؟"
"نعم."
"لا شيء. لماذا؟"
ضغط مروان على حروف كلماته وهو يسأل بكل جدية:
"لا شيء؟ لا شيء؟"
"لا شيء بالمرّة. لا أعرف عنها شيئاً أبداً."
"هل كان لشركة النيل للاستثمار والتجارة فروعاً هناك؟"
"لا."
"هل كان لأحد مساعديك أو شركائك علاقة بها؟"
"لا."
"هل كان لديك موظفين من البرازيل؟"
"لا أظن."
"هل ذهبت إلى ساو پاولو في رحلة عمل؟"
"لا لم أذهب."
"ولا في رحلة سياحية؟ في إجازة مع زوجتك مثلاً؟"
أجاب رفيق رمزي في ضيق:
"أنا رجل مشغول. عندي أعمال هامة كثيرة. لم يكن لديّ وقت للسياحة والأجازات؟"
"لعلّ زوجتك ذهبت إلى هناك وحدها لأي سبب. هل حدث ذلك؟"
"لا. طبعاً لا."
"هل أنت متأكد من ذلك يا مسيو رمزي؟"
"ما الذي تسعى لأن تصل إليه بأسئلتك هذه؟"
ضغط مروان على كلماته وهو يتابع أسئلته:
"هل أنت متأكد يا سيدي؟ أرجوك فكر. فكر جيداً."
هزّ رفيق رمزي رأسه ثم ترك كرسيّه وأخذ يسير في القاعة المتّسعة في خطوات دائرية قصيرة وهو يسحب أنفاساً عميقة متتابعة من سيجارته. ثم قال ببطء:
"حسناً، الواقع. أظن أنها قامت بزيارة إلى هناك."
وبسرعة بادره مروان قائلاً:
"حدِّثني عن هذه الزيارة. قل لي."
"ليس لدي الكثير لأقوله لك. كلوديت لها قريب تزوّج امرأة برازيلية. إلا أن هذا الزواج لم يدم إلا ستة أشهر ثم تم الطلاق."
"وهل ذهبت أنت لحضور حفل الزواج؟"
"أنا لم أذهب إلى هناك. كلوديت هي التي ذهبت. وكرهت هذه الزيارة. كرهت ساو پاولو والبرازيل كلها. قالت لي ذلك. قالت إنها زحام وضجيج وفوضى. تشبه نيويورك إلى حدٍّ ما بدون سحر نيويورك، طبعاً."
"ومتى كان هذا الزواج؟"
أحنى رأسه وهو يفكّر محاولاً التذكُّر ثم اتّجه نحو البار في جانب من القاعة ومزج لنفسه شراباً وهو يقول:
"لا أتذكّر جيداً، قد يكون من ثلاث أو أربع سنوات مضت."
واتجه نحو مروان ووقف قبالته وهو يهزّ كأسه ليذيب الثلج وسأله:
"لماذا؟ إلى أين تقودنا بذلك كله؟"
لم يجب. انحنى وأمسك حقيبة أوراقه وفتحها وأخرج منها مظروفاً كبيراً أصفر، ومدّ يده به نحو رفيق رمزي الذي سأله وهو يرتشف كأس المارتيني:
"ما هذا؟"
"افتحه. تعرف ما هو."
نظر في وجهه بتمعّن ثم وضع كأسه جانباً وخطى نحوه وأمسك بالمظروف وبدأ يفتحه بحرص. أخرج منه صورة كبيرة أبيض وأسود، بعد أن تأملها اختفت الألوان من وجهه وبدا أصفر شاحباً وعكست عيناه مزيجاً من الدهشة والارتباك. فقد كانت الصورة لزوجته وعليها تاريخ بأنها التُقطت منذ 48 ساعة فقط. ليست مثل الصور التي رآها لزوجته والتي أرسلها له خاطفوها مع طلب الفدية، لم تكن مقيّدة ولا مكمّمة. كانت تجلس في مكتب أمام طاولة تتحدّث مع موظّف رسمي أو مدير مسئول.
بعد جهد استطاع رفيق رمزي أن يجمع شتات نفسه ويتحدّث بصوت ضعيف ويداه ترتعشان بشكل واضح وقال في تلعثم:
"لا أعرف... لا أفهم. ما هذا؟ أين التُقطت هذه الصورة؟"
أجاب مروان:
"التقطتها إحدى كاميرات المراقبة في بنك بمدينة ساو پاولو. زوجتك هنا تسحب المبالغ التي أرسلتها أنت للمختطفين فدية لإطلاق سراحها."
اهتزّت الصورة في يد رفيق بشدّة حتى أنه بذل جهداً للاحتفاظ بها بين أصابعه وقال في صوت كله مرارة وإحباط وألم:
"ماذا تقول يا مسيو عقّاد؟ ماذا تقصد؟ هل تظن أن زوجتي هي التي خططت ذلك كله؟ هل تقول إن هذه الصورة دليل على خيانة زوجتي لي؟"
وجّه مروان إليه نظرات كلها تعاطف واهتمام ومواساة لما يعانيه الرجل المكلوم، وانتظر حتى تستقرّ الحقيقة داخل عقله قبل أن يعرض عليه، كعميل عليه معاونته، الحل والخطوات التي يجب اتخاذها للوصول إليه.
لم تمهله الأحداث ليقول شيئاً، فقد دوى فجأة طلقان ناريان وتناثر زجاج النوافذ وملأ المكان. سقط الرجل العجوز على الأرض والدماء تنزف بغزارة من فمه. اغتيل رفيق رمزي أمام عينيه وخشي مروان أن يكون هو الضحية التالية للمعتدين.

الفصل الثاني
استمرت الطلقات تنهمر بلا توقّف وفي كل الاتجاهات. أسرع مروان يختبئ خلف مكتب كبير من الخشب الأرو بينما الصور والأطباق الثمينة المعلّقة على الجدران تتساقط من كثافة النيران وتتناثر في كل اتجاه بالقاعة.
اندفع اثنان من حراس رفيق رمزي شاهرين مسدساتهما إلا أنهما سقطا صرعى بالرصاص المنهمر من الخارج قبل أن يكتشفا مصدر الطلقات. امتدّت يد مروان إلى التليفون أعلى المكتب الذي يحتمي به، إلا أنه اكتشف أن الخط قد فُصل والتليفون معطّل. تحسّس جيبه باحثاً عن مسدّسه لكنه تذكّر أن حراس رفيق رمزي أخذوه منه قبل دخوله. استمر سقوط وتناثر التماثيل وأواني الزهور والتحف الثمينة وطارت أجزاؤها فوق رأسه وهو منزوٍ في مخبئه. توالى إطلاق النيران على دفعات وتحطّم كل ما بالقاعة من أثاث.
لم يعد في استطاعته البقاء، فمن اغتالوا رفيق رمزي مستخدمين بنادق تلسكوبية بأيدي قناصين محترفين كما هو واضح، لا بد يعرفون أنه موجود وسيكتشفون قطعاً المكان الذي يختبئ فيه. تدحرج مروان نحو اليسار وزحف ناحية جثتي الحارسين القتيلين. اشتدّ انهمار الرصاص حوله... التقط مسدسي الحارسين، وأخذ المظروف الذي به صورة زوجة رفيق رمزي، واندفع خارجاً من الباب الذي دخل منه الحارسين إلى البهو الخارجي. ما أن اقترب من المصعد حتى خرج منه حارسين آخرين يشهران سلاحيهما. صرخ فيهما وهو يجري منحنياً ليتفادى الطلقات التي كانت تنهمر حوله:
"انبطحا بسرعة. انبطحا."
ارتمى أحدهما بسرعة على الأرض، أما الثاني فلم يسعفه الوقت لذلك وسقط بلا حراك والدم ينزف من صدره بغزارة. قال الحارس الأول لمروان بسرعة:
"أسرع يا مسيو عقّاد. استخدم السلم."
أشار بيده إلى باب خروج الطوارئ ثم زحف في اتجاه زميله محاولاً مساعدته لكنه وجد ذلك ليس مجدياً.
انطلق مروان يجري بكل قوته نحو باب الخروج شاهراً المسدس حتى لا يُفاجأ بمن ينتظره ليقضي عليه. في سباق محموم أخذ يقفز نازلاً الدرجات من الدور العاشر وعقله يدور باحثاً عن مخرج من هذا الموقف شديد الخطورة. وصل إلى ردهة المبنى وهو يتمنى أن يجد السائق الذي أتى به ما يزال ينتظر كما وعده. خرج من الباب وتلفّت يبحث عنه وسط الزحام في الشارع الكبير. لم يعثر عليه. لا بد أنه ملّ الانتظار وانطلق لشأنه. أصوات صفارات عربات الشرطة كانت تقترب من بعيد. وبينما هو يقف حائراً انطلقت من داخل المبنى أصوات صفارات الإنذار... تدافع الناس من الداخل صائحين صارخين... اختلط الحابل بالنابل وكأنه يوم الحشر. توقف انطلاق الرصاص لفترة.
وقف محتاراً ماذا يفعل؟ وفي وسط ارتباكه سمع صوتاً يصرخ منادياً وسط الزحام:
"مسيو عقّاد!"
تلفّت حوله إلا أنه لم يرَ إلا رجال الأمن والشرطة يجرون في كل اتجاه، وسكان البناية يتدافعون في طوفان بشري خارجين من أبواب المصاعد ووجوههم تعكس فزعاً وهلعاً وهم يصرخون. لم يتعرّف على أحد في الوجوه الكثيرة حوله لكنه سمع الصوت مرة أخرى:
"مسيو عقّاد. هنا."
تابعت نظراته الصوت ووجد السائق الصغير الحجم يجري نحوه ويشير إليه. وصل بالقرب منه وهو ما يزال يصرخ بصوت عال:
"مسيو عقّاد. يجب أن تخرج من هنا حالاً. انتظرني حتى آتي بالسيارة. انتظرني مكانك. لا تبتعد. لا تتحرّك من هنا. أرجوك!"
"آتي معك."
"لا يا سيدي. وحدي أسرع. تركت السيارة في مكان انتظار ضيق قريب. لن أتأخر."
وانطلق الرجل الصغير يتدافع وسط الزحام ويشق طريقه نحو سيارته الكبيرة الرانج روفر Range Rover . سيارة كبيرة لا تتناسب مع حجم جسده الصغير. لم يكن هناك وقت للمناقشة فاستسلم لما يريده السائق وانتظر. كان مشغول الفكر بما حدث وأخذ في وقفته يستعيد الموقف ويتساءل: ترى هل يعرف شركاء كلوديت زوجة رفيق رمزي أنه كان يتابع التحويلات المالية التي أُبرقت إليهم؟ هل اكتشفوا أنه يعرف أن مركز عملياتهم ساو پاولو بالبرازيل؟ هل لهذا اغتالوا رفيق رمزي قبل أن تصله المعلومات التي كان يحملها إليه؟ كيف استطاعوا الوصول إلى ذلك كله؟ لم يحدث أحداً بذلك إلا رفيق رمزي نفسه قبل مقتله بلحظات.
شركته "عقّاد وشركاهم" تعاقدت مع رفيق رمزي منذ عشرة أيام فقط. رفيق يتعامل مع شركة حراسة في باريس منذ سنوات. بعد موت ابنته وخطف زوجته اتصل رفيق به لكشف غموض الجريمتين فقط ولا شيء آخر. عرض مروان عقّاد عليه أن يحل محل الشركة الفرنسية في خدمته وتعيين حراس جدد له من رجاله الذين يعرفهم جيداً ويثق فيهم إلا أن رفيق رمزي لم يقبل عرضه. لم يكن يريد أن يحدث أي تغيير في نظام حراسته حتى لا يغضب الذين يبتزونه ويثيرهم، مما قد يجعلهم يسيئون إلى زوجته بشكل ما. وكان رفضه ذلك العرض قراراً خاطئاً قاتلاً.
أخذ مروان يراقب عربات الشرطة وسيارات النجدة وهي تندفع إلى المنطقة من كل اتجاه. كان يعرف أن وسائل الإعلام لن تتأخر عن الحضور أيضاً. هذا كان أسوأ ما يمكن أن يحدث له، فوجهه سيكون عرضة لأن يكشفه الإعلام الأوروبي والشرق أوسطي كصاحب شركة حراسة خاصة. هذه المعرفة ليست في صالح من يعمل في مثل هذا النشاط الذي يحتاج إلى منتهى السرية. نظر إلى ساعته وتلفت حوله إلى الزحام الذي تجمّع خارجاً. وقعت عيناه على سائقه وهو يندفع نحو سيارته. من بعيد رآه يدخل السيارة ويدير محرّكها فتحرّك مروان نحو الباب الأمامي ليكون في انتظاره عند إحضاره السيارة أمام الباب حتى يبتعد بسرعة عن هذا المكان المشحون برجال الأمن. إلا أنه ما أن خرج إلى الطريق حتى دوى صوت انفجار عنيف هزّ الشارع كله وسقط كثير من المتجمهرين على الأرض. تحطّم زجاج البنايات وتفككت بعض النوافذ وأصاب حطامها كثيراً من الأفراد الواقفين تحتها. تساقطت الأحجار وأجزاء المبنى التي انفصلت بفعل الانفجار على الناس وأصابت الكثيرين بإصابات شديدة، فتعالت صيحات الجرحى، وسال الدم في كل مكان. أشعل الانفجار النار في بعض الأشجار والأكشاك الخشبية وارتفعت النيران إلى أعلى بشكل مخيف وتحوّل المكان إلى جحيم. قذف الانفجار مروان بشدة فسقط على وجهه وسط الحطام المتناثر في كل مكان.
قام بجهد وتحرّك ببطء وأصلح من ملابسه الممزقة ومسح وجهه بيده التي تنزف منها الدماء وقد تيقّن الآن مما حدث أنه هو أيضاً مطارد مرصود من قاتلي رفيق رمزي الذين قاموا بتفجير السيارة التي كان مزمعاً أن يستقلها.

الفصا الثالث

تناثرت الأشلاء وغطت كل الشارع والأرض حوله. الجرحى يصرخون يستنجدون بمن يأتي ليسعفهم. بعضهم زحف إلى جانب الطريق ينزفون في ألم وصمت ودهشة مما حدث وهم يتلفتون باحثين عن أحبائهم الذين كانوا معهم. الكل كان يتساءل عما حدث ولماذا؟
تحامل مروان على نفسه وأخذ يتحرّك بعيداً في خطوات ثقيلة يصلح من ملابسه. تناول أحد المسدسين اللذين أخذهما من الحارسين القتيلين وأخرج خزانة الرصاص منه ومسح بصماته عنه وألقى به في صندوق قمامة في ركن بالشارع. أخفى الثاني في ملابسه تحت حزام سرواله وأحكم سترته عليه وأخذ يجري في اتجاه الشمال حيث المنطقة التجارية التي تبعد قليلاً عن مكان الحادث. كان يريد أن يذهب إلى فندقه ليجمع ملابسه من غرفته ويخرج بسرعة من المدينة. الجميع حوله في ذهول ورعب مشغولون بجراحهم، فلم يلتفت إليه أحد وهو يبتعد مسرعاً ويجري في عجلة يبحث عن وسيلة تحمله للفندق.
أشار إلى سيارة أجرة مسرعة. توقّفت وصرخ في السائق:
"فندق الميريديان."
انطلقت السيارة به والشمس تغيب لتختفي خلف جبال مونت كارلو العالية. ابتدأت الأنوار تظهر وتعلو بمختلف أشكالها وألوانها على مداخل وجوانب ملاهي وكازينوهات المدينة اللاهية الصاخبة. صدحت الموسيقى في المقاهي والمطاعم والفنادق والمسارح المتجاورة في قلب مونت كارلو... مدينة القمار، والمغامرة، والمرح، واللهو للمشاهير والأغنياء. استيقظت وبدأت تستقبل الليل بكل مباهجه ومفاجآته. برغم أخبار الاعتداءات التي لا تتوقّف القنوات التليفزيونية عن بثّ صورها وتكرّر تفاصيل أحداثها. لم يهتم الكثيرون بمتابعتها بل اندفعوا يلهون ويمرحون ويصخبون.
تحوّل مروان ببصره إلى الميناء المزدحم باليخوت الفخمة الغارقة في غسق المساء، وقد أضاءت أنوارها لتنعكس على المياه في مشهد يخطف الأبصار. لم يوقف جمال المنظر عقله عن التفكير فيما يجب عليه أن يقوم به وبسرعة. لا بد أن يتصل بشقيقه رامي حالاً. يحتاج إلى نقود. يريد أن يسافر من هنا، وهذا يستدعي حجز تذاكر طيران أيضاً. يجب أن يبتعد. الموقف لا يحتمل التأجيل. لكن إلى أين يسافر؟ ومن أين يبدأ هروبه؟ هل يذهب إلى إيطاليا أم إلى فرنسا؟
الهروب قد يجعله يبدو مذنباً وأن له يد في ما حدث. يعرف ذلك جيداً لكن ليس أمامه بديلاً غيره. البقاء في مونت كارلو الآن وبعد هذه الأحداث هو الموت بعينه. سوف يواجه سلسلة تحقيقات من الشرطة طويلة وقاسية. طبعاً! من اتّصل به وعرّفه برفيق رمزي؟ لماذا جاء إلى مونت كارلو وهو يعرف جيداً أن رفيق يوكّل حراسته إلى شركة فرنسية؟ كيف يثبت أن أول لقاء له مع رفيق رمزي انتهى بمقتل الرجل؟ لماذا أخذ مسدسي الحارسين؟ لماذا لم يستعِد مسدسه ممن أخذوه منه؟ أسئلة كثيرة ومثيرة لن تتوقّف وسوف يحاصرونه ويعتصرونه ويضغطون عليه بكل الوسائل ليعترف. حتى هذه الأسئلة سهلة ويمكن مواجهتها. ما يشغله ويقلقه شيء خطير قاله رفيق رمزي حين التقى به.
توقفت السيارة أمام الفندق. دفع مروان الأجرة للسائق وطلب منه أن ينتظره إن أمكنه ذلك فهو لن يتأخر. أسرع للداخل واتجه إلى المصعد يستقله إلى الدور الخامس حيث حجرته.
لحقت به فتاة بارعة الجمال في حوالي العشرين من عمرها. ذكّره وجهها برانيا. شعرها أسود طويل. عيناها عسليتان واسعتان. تلبس صديرية حريرية بيضاء، وتنورة وجوارب سوداء، وتتحلّى بعقد من اللؤلؤ. أظافرها مطلية بلون أحمر فاقع يلفت النظر، وكذلك طلاء الشفتين أحمر يخلب العقل. ظلال العينين ثقيل يقترب من الكحل الشرقي. ابتسمت له في حياء، ولولا ما يشغل خاطره لاستجاب لابتسامتها وبدأ الحديث معها. الليلة لا يستطيع أن يتصرف هكذا كما اعتاد أن يفعل دائماً.
نظر إلى أسفل، وابتعد بفكره عن الفتاة، وعاد يتذكر أول حديث له مع رفيق رمزي منذ عشرة أيام بالتليفون. البداية كانت مألوفة ومعروفة، وهو يحدثه عن الظروف التي قادت إلى ما حدث لزوجته وابنته. زوجته وهي في صالون التجميل، وابنته وهي عائدة من مدرستها. وما تبع ذلك من مطالبته بفدية لاستعادة زوجته، ثم كيف قُتلت ابنته بوحشية. وسرد عليه قائمة بأسماء الأفراد الذين يتهمهم رفيق بأنهم قد يكونون هم المسئولين عن الجريمتين. حوالي اثني عشر اسماً ذكرها، من الموظفين السابقين في شركته، إلى رجال الأعمال المنافسين له في نشاطه، إلى غير ذلك من الأفراد الذين لديهم مصالح في إيذائه والاعتداء على عائلته. لم يكن ذلك ما شغل تفكير مروان. ما شغله كان سيناريو آخر على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة قد يفتح عليهم أبواب جهنم.
دقّ جرس المصعد وانفتح الباب على الدور الثالث. امتدت يد الفتاة إلى حقيبتها الصغيرة وأخرجت تليفونها المحمول وطلبت رقماً وهي تغادر المصعد. تعجّب لطريقة سير الفتاة! طبق الأصل من طريقة رانيا في السير ببطء وثبات واتزان دون اهتزاز أو تموّج في جسدها. أغلق الباب واستمرّ في الصعود مرة أخرى. عاد مروان يفكر في ما أخبره به رفيق. قال إن اثنين من رجال المباحث الجنائية الفرنسيين حاولا منذ سنوات ابتزازه مهدّدين بأنه إن لم يدفع لهما ربع مليون يورو فسيجعلان أصدقاءهما في مصلحة الضرائب يجرون فحصاً دقيقاً في حسابات شركة النيل للاستثمار والتجارة، ويكشفون عن عدم دقة الأرقام والتزوير الذي بها، مما سيجرّ عليه الكثير من المتاعب والمشاكل. وفوق ذلك سوف يسربون أخبار التحقيقات إلى وسائل الإعلام لإحراجه وتشويه سمعته وتلويث شكل شركته وأنشطتها. حدث ذلك في الوقت الذي كان يحاول فيه بيع شركته إلى إحدى الشركات الفرنسية الكبيرة. لم يكن من المناسب حينئذ أن يتعرّض إلى تحقيقات حكومية طويلة حتى ولو كان ادعاؤهم كاذباً. لذلك فقد قام بدفع المبلغ المطلوب لهؤلاء المبتزين وقيّده تحت بند مصروفات الاستشارات والبحوث. لكنه حين عاودوا الاتصال به من جديد وطالبوه بمليون يورو، رفض واتصل بشرطة الإنتربول مبلّغاً إيّاهم بما حدث مما جعلهم يهتمون ويجرون تحقيقات دقيقة كشفت عن المجرمين وأوقعت بهم، وتم الحكم عليهم بأحكام تتراوح ما بين خمس سنوات وعشرين سنة والسجن المؤبد. بعد ذلك اتصل المسجونون بالجهات الرسمية العليا يعرضون عليهم كشف أسماء المسئولين الحقيقيين الذين استخدموهم في العملية، إلا أنهم فجأة وُجدوا مقتولين في غرف سجنهم. ولم يعثر البوليس على أي دليل يدين أحداً، وحُفظت قضيتهم وقُيّدت ضدّ مجهول.
بعد ذلك اعتذرت الحكومة الفرنسية لرفيق رمزي مع أنه لم يوجّه أي لوم للحكومة بأي شكل من الأشكال. وأعلنت الجهات الرسمية لرفيق وزوجته أن المسئولين عن الجريمة أفراد قاموا بها بمفردهم ولحسابهم، وليس لهم أي اتصال من قريب أو بعيد بأحد من رجال الأمن أو الاستخبارات الجنائية في باريس، برغم ذلك أكّد الرجل لمروان أنه يعتقد أنه لا بد من وجود شخص يحتلّ مركزاً كبيراً في الأمن أو الاستخبارات أو الحكومة له إصبع فيما حدث... خطّط ودبّر عملية الابتزاز من بدايتها، وأنه عندما اكتشف رغبة العملاء المسجونين للإبلاغ عنه دبّر اغتيالهم ليخلو له الجو مرة أخرى ليمارس عملياته القذرة ضده.
هذا ما يقلق مروان. لو كان ما قاله رفيق صحيحاً وصدقت مخاوفه فإن هناك شخص يعمل على ابتزازه مستعيناً بمركزه الكبير في الأمن أو الاستخبارات الجنائية وجهات التحقيق الحكومية العليا. كيف إذاً يمكنه أن يثق بالجهات الأدنى في الأجهزة الأمنية بباريس، ويتعاون معهم في الكشف عن غموض الحادث، وتقديم المذنبين للعدالة؟
دقّ جرس المصعد مرة أخرى، وانفتح الباب على الدور الخامس إلا أن مروان وهو غارق في تفكيره لم يخرج من المصعد واستمرّ يتابع تأمله في القضية. هل يمكن أن يكون ما قاله رفيق رمزي صحيحاً؟ وأكثر من ذلك، هل من المعقول أن تكون كلوديت زوجة رفيق تعمل مع ذلك الشخص المجهول صاحب النفوذ في إدارة الأمن والمخابرات منذ بداية الأمر؟ لماذا؟ ما هو دافعها لذلك؟ الظواهر جميعها تؤكد أن رفيق وكلوديت زوجان سعيدان يعيشان في اتفاق ووئام. لا ينقصهما شيء. المال متوفّر جداً وكثير. الحب موجود ويربطهما منذ سنوات حين تقابلا في إحدى تجمعات رجال الأعمال في العاصمة الفرنسية. جمال وأناقة كلوديت مطمع مجلات الأناقة، مما يجعلهم يتسابقون للحصول على صورها وإجراء الأحاديث الصحفية معها. وبعد ذلك، ها هو يقرر أن يعتزل العمل ويعيش حياة هادئة هو وعائلته يجوبان العالم ويرتشفان من كل مباهجه بلا حدود أو قيود. ماذا حدث حتى تنحرف الأمور وتتعقّد الظروف وتتوالى الأحداث الدامية بهذا الشكل؟
دق جرس المصعد يعلن عن إغلاق الباب.
أفاق مروان بسرعة وعاد إلى واقع اللحظة. سيأتي الوقت المناسب الذي سيحاول فيه أن يفكّ اللغز ويكتشف الأسرار الخفية للّعبة الغامضة. كل ما عليه الآن هو أن يسرع ليجمع ملابسه من الغرفة ويغادر المدينة. إذا أراد البوليس أن يستدعيه ليستفسر منه عما حدث فهم يعرفون أين يجدونه. له محل إقامة معلن وواضح لكل الجهات. لكنه لن يبقى هنا ليكون هدفاً لرصاصات قناص أو عرضة لانفجار قنبلة في سيارة.
بسرعة مدّ يده وفتح باب المصعد وخرج واتّجه ناحية اليمين في الممرّ الموصل إلى حجرته الذي بدا له ضعيف الإضاءة بسبب انطفاء بعض مصابيحه. رأى في آخر الممرّ شبحاً يتحرّك وسمع صوت جذب خزانة مسدس استعداداً للإطلاق مما جعله يدرك أنهم قد عثروا عليه.
الفصل الرابع

تحوّل مروان ناحية اليسار بينما انطلقت الرصاصة في اتجاهه محدثة دويّاً عالياً تردّد صداه في الفندق. اصطدمت الطلقة بالحائط المجاور له وأحدثت به ثقباً كبيراً وحطمت طلاء الجدران وتناثرت الشظايا في كل اتجاه. بسرعة أخرج المسدس الذي أخذه من أحد الحراس القتلى في بيت رفيق رمزي، وأطلقه في اتجاه المكان الذي جاءت منه الرصاصة. بينما هو منهمك في رد الهجوم، انفتح باب الخروج الذي في آخر الممرّ خلفه بعنف فتحوّل مروان في الوقت المناسب ليرى شبحاً آخر وراءه. تأمله ولدهشته اكتشف أنه فتاة المصعد الجميلة.
انبطح مروان على الأرض حين انطلقت دورة رصاص أخرى فوق رأسه لتصيب نفس الحائط. صوّب مسدسه نحو رأس الفتاة، وأطلقه مرتين، ثم استدار بسرعة، ووجّه طلقاته إلى الرجل في الجانب الآخر للممرّ؛ إلا أنه لم يصب أياً منهما وإن كان ذلك أعطاه ثوان ثمينة للتصرف. تلفّت حوله ليجد على بعد أمتار قليلة منه بهواً صغيراً جهة اليمين يقود إلى قاعة استقبال واسعة. لم يكن بأيّ منهما مكان يصلح للاختباء، لم يكن لديه بديل غيرهما. عاود إطلاق الرصاص مرتين في كلا الاتجاهين، ثم اندفع نحو البهو الصغير، وانزوى في ركن منه ليتفادى الطلقات التي صُوّبت نحوه. لم يكن في إمكان أيٍ من مطارديه اكتشاف مكانه لبعض الوقت، إلا أن ذلك لن يستمر طويلاً.
انطلقت الرصاصات وامتلأ البهو الصغير بأصواتها ورنينها. تبعه مهاجماه من الجانبين، متراً متراً، وباباً باباً. لم يكن أمامه إلا ثوانٍ معدودة ليتحرّك. أطلق دفعتين من الرصاص في اتجاه اليمين، ودفعتين في اتجاه اليسار، ثم التفّ حول نفسه، وأطلق رصاصة على باب حجرة مغلقة بجواره معلّق عليه علامة "الرجاء عدم الإزعاج". دفع الباب بقوة بقدميه فتحطّم وسقط أمامه. قفز فوقه واقتحم الغرفة والطلقات تلاحقه من الجهتين.
كان بالغرفة عروسان جاءا لقضاء شهر العسل. كانا منزويين في طرف السرير، وقد رفعا طاولة الطعام أمامهما ليحتميا بها وهما يرتجفان خوفاً وفزعاً مما يحدث. في صوت يعلو قليلاً عن الهمس، قال مروان لهما:
"انزلا. انزلا تحت السرير حالاً. بسرعة."
لم يكن لديه الوقت ليؤكد لهما أنه ليس الرجل الشرير في الحلم المروع الذي يشاهدانه. كل ما كان يريده هو ضمان سلامتهما ولأطول مدة ممكنة. قفز العروسان إلى الأرض، وزحفا تحت السرير، وهما ينظران إليه وهو يخرج خزانة المسدس الفارغة منه، ثم يعيد حشوه من جديد، ويتجه إلى باب الشرفة الزجاجي المنزلق ويخرج إليها. وبينما هو هناك سمع صفير طلقة مسدس خلفه وأحسّ بالرصاصة وهي تصيب كتفه الأيمن. دفعته الطلقة بقوة وألقت به على المنضدة الزجاجية بالشرفة لتهوي تحته وتتحطّم. رغم ذلك كان ذهنه متيقظاً فتحامل على نفسه واستدار وأخذ يطلق دفعات الرصاص بيد ويحمي وجهه باليد الأخرى. تحطم الباب الزجاجي من عنف الطلقات، وتناثرت شظايا الزجاج لتملأ الشرفة والغرفة. طلقاته أصابت الهدف، وكان من نصيب فتاة اللؤلؤ رصاصتان في صدرها. صرخت في ألم ثم انهارت وسقطت على الأرض. سقط واحد من مهاجميه لكن الآخر ما يزال طليقاً ولا بد من النيل منه أيضاً. تحرّك مروان بسرعة شديدة رغم الألم الذي يحسّ به. اعتدل ونفض الزجاج عن رأسه وملابسه واستقام على قدميه واندفع إلى الغرفة وهو يعرج مصوّباً مسدسه نحو باب الغرفة في انتظار ظهور المهاجم الثاني. خرجت العروس من أسفل السرير ووقفت بجواره تصرخ بصوت عالٍ وتلطم وجهها بعنف. أسرع نحوها زوجها يحاول أن يهدّئ من روعها بلا جدوى.
اندفع مروان وانحنى فوق الفتاة ذات اللؤلؤ الملقاة على الأرض وسط الغرفة ليفحص نبضها. لم تكن قد ماتت بعد. أحسّ في عروقها نبضاً ضعيفاً بطيئاً. بركلة من قدمه قذف مسدسها بعيداً، ثم أدار جسدها لتظهر ملابسها البيضاء وقد أصبحت قرمزية بلون الدم. أطلق رصاصة نحو الباب ليتيح لنفسه بعض الوقت ثم دفع فوهة مسدسه في حنجرة الفتاة وسألها من بين أسنانه:
"من الذي أرسلك خلفي؟"
ابتسمت الفتاة في ضعف وهي تكاد تغيب عن الوعي دون كلمة. أعاد مروان سؤاله باللغة الفرنسية لكنها لم تجب بشيء. صاح فيها بغضب:
"كلوديت رمزي؟ هل أرسلتك كلوديت رمزي خلفي من ساو پاولو؟"
لم تجب لكنها فتحت عيناها وقد علا وجهها علامات الدهشة والخوف. بدا واضحاً أنها فهمت، وأنها تعرف الاسم، وتعرف المدينة. دفع بمسدسه أكثر إلى حنجرتها، لكنها رفضت الردّ، وفجأة تكوّرت عيناها، واستدارت عدة مرات، ثم زفرت آخر أنفاسها، وماتت.
تتابعت دقات قلب مروان سريعة قوية. امتزج بداخله شعور طاغ من الغضب والرغبة في الانتقام، واندفع الدم في عروقه بقوة وعنف.
أمسك بمسدس الفتاة وفحص خزانة الرصاص به وانطلق مندفعاً إلى الممر الخارجي وهو يطلق المسدسين بكلتا يديه أمامه بلا توقّف. لم تتح للرجل الذي بالممر أي فرصة للنجاة، أفرغ مروان رصاصات المسدسين في جسده فسقط منهاراً أمامه. دفع مروان الرجل بقدميه جانباً، وانتزع المسدس من يده اليسرى، وخزانة الرصاص الإضافية من جيب سترته.
لم يكن مع الرجل ما يثبت شخصيته. لا حافظة ولا جواز سفر ولا بطاقة شخصية. لا شيء. اندفع مروان عائداً إلى غرفة العروسين. المرأة ذات اللؤلؤ ليس لديها شيء يكشف هويتها. كلاهما قاتلان محترفان. تدرّبا على أن يخفيا شخصيتهما وأن يبقيا مجهولين غير معروفين لأحد. يصرعان ضحاياهم في الظلام فجأة وبدون توقّع.
لعلّ رفيق رمزي كان محقاً حين تصوّر أن للاستخبارات الفرنسية دور في المؤامرة فكل ما حدث حتى الآن حدث بدقة وبشكل مفاجئ أو بحرفية عالية.
بدأ مروان يحسّ بنار تحرق كتفه الأيمن ورأى الدم يملأ وجهه من شظايا الزجاج الذي مزّق رأسه ووجهه.
ثم انطلقت أصوات صفّارات سيارات الشرطة.





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اميرة الضلام
عضو نشيط
عضو نشيط
avatar

عدد المساهمات : 196
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 19/06/2010
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رواية الشاهد لجوش ماكدويل   الأربعاء أغسطس 25, 2010 12:38 am

لدينا56 فصل انتضروني مع المزيد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
رواية الشاهد لجوش ماكدويل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى اللمة العربية :: الاداب وثقافة :: القصة والرواية-
انتقل الى: